هناك مناطق في السماء تشعر بأنها أقل فراغًا وأكثر كذاكرة. في قلب مجرتنا، وراء ستائر من الغبار والسحب المتقلبة من الجسيمات المشحونة، تحتفظ مجرة درب التبانة بأسرارها بصبر معين. لعقود، كان الفلكيون يشتبهون في أن شيئًا ما كان مفقودًا من هذا المركز المزدحم - مجموعة من النبضات التي وعدت بها النظرية لكن التلسكوبات كافحت لرؤيتها. الآن، قدم مسح عميق ومدروس من قبل مشروع Breakthrough Listen نوعًا أكثر هدوءًا وثباتًا من الكشف.
تُوصف النبضات، تلك البقايا السريعة الدوران من النجوم المنهارة، غالبًا بأنها منارات كونية. كل دوران يرسل أشعة من الموجات الراديوية التي تجوب الفضاء بدقة تشبه الساعة. في المناطق الأكثر هدوءًا من المجرة، يكون من السهل نسبيًا اكتشافها. ولكن بالقرب من القلب المجري - بالقرب من الثقب الأسود الضخم المعروف باسم القوس A* - تتشوه الإشارات بسبب الغاز المضطرب والتداخل المغناطيسي. البيئة كثيفة وديناميكية، وليست سهلة الإقناع بالتخلي عن سكانها.
لسنوات، تساءل الفلكيون عما إذا كانت النبضات نادرة حقًا في هذه المنطقة، أم أنها ببساطة مخفية. اقترحت النماذج النظرية أن العديد منها يجب أن يدور حول المركز المجري، ربما حتى في مسارات ضيقة حول القوس A*، مما يوفر فرصًا نادرة لاختبار الجاذبية في ظروف قاسية. ومع ذلك، أسفرت الحملات الرصدية عن عدد قليل فقط من الاكتشافات، مما خلق ما أطلق عليه بعض الباحثين "مشكلة النبضات المفقودة".
اقترب فريق Breakthrough Listen من هذا التحدي بصبر وتحسين تكنولوجي. باستخدام تلسكوبات راديوية حساسة للغاية وإجراء أحد أعمق المسوحات التي تركزت على القلب المجري، قاموا بمسح ترددات قادرة على اختراق الكثير من التداخل الكوني. ساعدت تقنيات معالجة البيانات المتقدمة في تمييز إشارات النبضات الحقيقية عن الضوضاء الخلفية - وهي مهمة تشبه عزل نبض ثابت داخل ملعب مزدحم.
تشير النتائج إلى أن النبضات قد لا تكون غائبة بعد كل شيء. بدلاً من ذلك، يبدو أن بعضها كان مخفيًا في العلن، حيث تم تشتيت إشاراتها أو تشويهها بسبب البيئة القاسية. من خلال تعديل استراتيجيات المراقبة واستكشاف ترددات راديوية أعلى، حدد الباحثون مرشحين واعدين ووضحوا طبيعة الاكتشافات الغامضة سابقًا. بينما تستمر أعمال التأكيد، تضيق النتائج الفجوة بين التوقعات النظرية والواقع الرصدي.
بعيدًا عن رضا حل لغز، فإن الآثار ذات مغزى. يمكن أن تعمل النبضات بالقرب من القوس A* كساعة كونية دقيقة، مما يسمح للعلماء بفحص انحناء الزمكان واختبار جوانب من نظرية النسبية العامة لأينشتاين في ظروف غير متاحة في أماكن أخرى. حتى عدد قليل من النبضات المؤكدة في مدار ضيق حول الثقب الأسود سيفتح إمكانيات تجريبية جديدة.
كما يظهر المسح كيف أن الإصرار في علم الفلك غالبًا ما يؤتي ثماره. بدلاً من ومضة اكتشاف درامية واحدة، يأتي التقدم أحيانًا كوضوح متراكم - أدوات أفضل، وأساليب مصقولة، واستعداد لإعادة النظر في الافتراضات القديمة بأدوات جديدة.
بينما تستمر التحليلات الإضافية، يستعد الباحثون لمتابعة الملاحظات لتأكيد النبضات المرشحة ورسم توزيعها بشكل أفضل في القلب المجري. تعكس النتائج، التي تم الإبلاغ عنها عبر عدة وسائل إعلام علمية وفضائية، جهدًا مستمرًا بدلاً من إجابة نهائية. في الوقت الحالي، عزز المسح العميق القضية بأن مركز مجرة درب التبانة قد يكون أقل صمتًا مما كان يُخشى سابقًا.
في همسات ترددات الراديو الهادئة، يبدو أن المجرة تتحدث مرة أخرى - ليس بصوت عالٍ، ولكن بثبات - والفلكيون يستمعون بانتباه متجدد.
نُشر بواسطة Banx Network. هذا المقال جزء من برنامج الوسائط اللامركزية من Banx، مدعومًا برمز BXE على شبكة XRP Ledger.




