كل منظر طبيعي يحتفظ بآثار ماضيه. الجبال تحمل ذاكرة القارات المتحركة، والأنهار تسجل المناخات المتغيرة، والغابات تميز بهدوء مرور الأجيال. مجرتنا ليست مختلفة. على الرغم من أن مجرة درب التبانة تبدو هادئة في ليلة صافية، إلا أن نجومها تحتفظ بتوقيعات الاصطدامات القديمة التي حولت مجموعة شابة من الغاز والنجوم إلى المجرة الحلزونية الشاسعة التي نسميها الوطن اليوم. بالنسبة لعالم الفلك أمينة هيلمي، فإن تلك الآثار الدائمة هي "أحافير كونية" تنتظر أن يتم تفسيرها.
أمينة هيلمي، أستاذة في جامعة غرونينجن في هولندا، قضت عقودًا في دراسة أقدم النجوم والهياكل النجمية داخل مجرة درب التبانة. بدلاً من استخراج الأحافير من الصخور، تقوم بالتحقيق في النجوم القديمة التي تحتفظ تركيباتها الكيميائية وحركاتها المدارية بأدلة على أحداث وقعت قبل مليارات السنين. لقد ساعد عملها في تأسيس مجال يُعرف باسم علم الآثار المجري، الذي يعيد بناء تاريخ المجرات من خلال أقدم مجموعاتها النجمية الباقية.
واحدة من أكثر اكتشافات هيلمي تأثيرًا كانت تحديد الأدلة على أن مجرة درب التبانة شهدت اصطدامًا كبيرًا مع مجرة أصغر قبل حوالي 10 مليارات سنة. من خلال تحليل البيانات من مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية "غايا"، وجد الباحثون مجموعات من النجوم تتحرك معًا في أنماط غير عادية. كانت هذه النجوم تشترك في خصائص كيميائية مميزة ومسارات مدارية، مما يكشف أنها نشأت خارج مجرة درب التبانة قبل أن يتم امتصاصها خلال اندماج مجري ضخم يُعرف الآن باسم "غايا-إنسيلادوس"، أو حدث "سجق غايا".
تعمل هذه النجوم القديمة مثل الأحافير على الأرض. تظل أعمارها، ووفرة العناصر، ومساراتها محفوظة حتى بعد مليارات السنين، مما يسمح لعلماء الفلك بإعادة بناء تسلسل الاندماجات التي شكلت تدريجيًا مجرة درب التبانة. بدلاً من أن تتشكل في حدث واحد، نمت المجرة من خلال تفاعلات متكررة مع مجرات أصغر مجاورة، كل منها ترك وراءه بقايا نجمية لا تزال تدور اليوم.
لقد وسعت مهمة غايا التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية بشكل كبير هذا المجال من خلال قياس مواقع، ومسافات، وحركات ما يقرب من ملياري نجم بدقة غير مسبوقة. وبالاقتران مع المسوحات الطيفية التي تكشف عن الكيمياء النجمية، تمكّن هذه الملاحظات الباحثين من تمييز النجوم التي وُلدت داخل مجرة درب التبانة عن تلك التي نشأت في مجرات رفيقة اختفت منذ زمن طويل. كل جدول نجمي يتم تحديده حديثًا يساهم في إضافة شظية أخرى إلى تاريخ تطور المجرة.
لقد حصلت أبحاث هيلمي على اعتراف دولي، بما في ذلك جائزة كافلي في علم الفلك لعام 2026، تكريمًا لمساهماتها في فهم كيفية تجميع المجرات عبر الزمن الكوني. بالإضافة إلى إعادة بناء ماضي مجرة درب التبانة، يوفر عملها إطارًا أوسع لدراسة تكوين المجرات في جميع أنحاء الكون. تُطبق تقنيات مماثلة الآن على المجرات البعيدة باستخدام مراصد ذات قوة متزايدة، مما يمد علم الآثار المجري إلى ما هو أبعد من حيّنا السماوي.
تذكّر دراسة الأحافير الكونية العلماء أيضًا بأن المجرات أنظمة ديناميكية وليست ثابتة. تمثل الحلزونية الرشيقة المرئية من الأرض نتيجة لمليارات السنين من الاندماجات، وتشكيل النجوم، والتفاعلات الجاذبية. تحمل كل نجمة قديمة معلومات عن تلك الأحداث، محافظة على الأدلة لفترة طويلة بعد اختفاء المجرات التي أنشأتها.
بينما يواصل علماء الفلك فحص أقدم المجموعات النجمية، يصبح تاريخ مجرة درب التبانة أكثر تفصيلاً. يُظهر عمل أمينة هيلمي أن فهم الحاضر غالبًا ما يبدأ بقراءة دقيقة لأقدم السجلات الباقية. في ضوء النجوم القديمة الهادئ، يواصل الباحثون كشف قصة مجرة بدأت بداياتها العاصفة والتي أدت في النهاية إلى الوطن الكوني الذي تعيش فيه البشرية اليوم.
تنبيه حول الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي: الصور المرفقة هي تصورات فنية مولدة بالذكاء الاصطناعي مستوحاة من الأبحاث الفلكية وتهدف إلى توضيح المفاهيم العلمية بدلاً من تصوير بيانات رصد فعلية.
المصادر (موثوقة):
Nature Astronomy & Astrophysics European Space Agency (ESA) University of Groningen France 24
ملاحظة: تم نشر هذا المقال على BanxChange.com وهو مدعوم برمز BXE على شبكة XRP Ledger. للاطلاع على أحدث المقالات والأخبار، يرجى زيارة BanxChange.com




