تدفق الهواء المتوسطي برفق عبر كورنيش بيروت، حاملاً معه همسات هادئة لموجات تتلاطم بالصخور. تمايلت قوارب الصيد في إيقاع لطيف، وفي الشوارع الضيقة خلف الشاطئ، رفع أصحاب المتاجر مصاريعهم كما فعلوا على مر الأجيال، يمارسون الطقوس الصغيرة التي تثبت دولة اعتادت على التحولات المفاجئة. فوق الأسطح المبلطة والشرفات المتقادمة، بدا أن ضوء الصباح يتوقف — كما لو كان مدركًا أن شيئًا دقيقًا ولكنه عميق قد تغير في الهندسة السياسية الهشة للبنان.
في هذه السكونة الهشة، أعلن رئيس الوزراء نواف سلام قرارًا قد يمثل أحد أكثر التحولات تأثيرًا في التاريخ الحديث للبنان. بعد هجوم عبر الحدود على إسرائيل نُسب إلى مقاتلي حزب الله، أعلن سلام حظر الأنشطة العسكرية المستقلة لحزب الله، مؤكدًا أن الدولة اللبنانية وحدها يجب أن تمتلك السلطة في شن الحرب أو السلام. وقد أشار المرسوم، الذي صدر بعد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء، إلى جهد لرسم خط واضح بين المؤسسات الحكومية والعمليات المسلحة التي كانت موجودة بجانبها لفترة طويلة.
على مدى عقود، احتل حزب الله موقعًا فريدًا داخل لبنان — كحزب سياسي ممثل في البرلمان وحركة مسلحة شكل جناحها العسكري الديناميات الإقليمية منذ ما بعد الحرب الأهلية. كان مقاتلوه في مقدمة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، مما أكسبهم دعمًا واسعًا بين شرائح من السكان. ومع ذلك، فإن ترسانته، التي يقدرها محللو الأمن بعشرات الآلاف من الصواريخ وأنظمة الصواريخ المتطورة، قد جلبت لبنان مرارًا إلى مواجهات تمتد خارج حدوده.
تفاقمت التصعيدات الأخيرة على الحدود الجنوبية، حيث زادت تبادلات النيران مع إسرائيل وسط الصراع الإقليمي الأوسع. أفاد المسؤولون الإسرائيليون عن قذائف قادمة من الأراضي اللبنانية، وتبعتها غارات جوية انتقامية، مضيئة الأفق بومضات عنيفة قصيرة. في القرى القريبة من الحدود، وصف السكان النمط المألوف: صفير الصواريخ، اهتزاز النوافذ، الانتظار الطويل في الملاجئ المنحوتة تحت المنازل. بدا أن كل تبادل يطوي لبنان أكثر في عاصفة إقليمية متسعة.
في ظل هذه الخلفية، حمل إعلان سلام وزنًا من الإلحاح والاعتدال. في خطاب متلفز، تحدث عن السيادة ليس كفكرة مجردة ولكن كمسؤولية — واحدة تتطلب أن تكون قرارات الحرب مركزية ضمن الدولة. تواجه حكومته، التي تشكلت وسط أزمة اقتصادية وركود سياسي، الآن مهمة دقيقة تتمثل في ترجمة هذا الإعلان إلى واقع. قد يُطلب من القوات المسلحة اللبنانية، التي كانت تُعتبر لفترة طويلة مؤسسة موحدة، أن تؤكد سيطرتها بشكل أكبر في الجنوب، حتى في الوقت الذي لا يزال فيه تأثير حزب الله السياسي متجذرًا بعمق داخل البرلمان والمجتمع.
لقد أثار القرار ردود فعل متنوعة عبر فسيفساء المجتمعات اللبنانية. يرى البعض فيه خطوة نحو استعادة سلطة الدولة وعزل البلاد عن المزيد من الدمار. بينما يحذر آخرون من أن وجود حزب الله المتجذر — اجتماعيًا وسياسيًا وعسكريًا — لا يمكن تفكيكه بمرسوم واحد. وقد أعرب المراقبون الدوليون، بما في ذلك المسؤولون في واشنطن والعواصم الأوروبية، عن دعم حذر للجهود الرامية إلى تعزيز سيادة لبنان مع دعوة جميع الأطراف على الحدود إلى ضبط النفس.
في هذه الأثناء، تستمر الحياة اليومية في إصرارها العنيد. في منطقة الحمرا في بيروت، تمتلئ المقاهي بأحاديث تتنقل بين معدلات التضخم وآخر العناوين. على الطرق الجنوبية، تقف بساتين الزيتون هادئة تحت شمس عالية، وفروعها غير متأثرة بالإعلانات التي صدرت في غرف بعيدة. يحتفظ البحر الأبيض المتوسط بإيقاعه الثابت، غير مبالٍ بالخطوط التي رسمتها السياسة ولكنه شاهد على كل عبور.
مع حلول المساء على المدينة، تبقى كلمات رئيس الوزراء عالقة في الهواء مثل الأذان المتلاشي للصلاة. أصبح حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله سياسة رسمية، تأكيدًا واضحًا على أن الدولة اللبنانية تسعى لاستعادة احتكار القوة داخل حدودها. ما إذا كان هذا الإعلان سيصمد — في الممارسة العملية وكذلك في المبدأ — لا يزال غير مؤكد. ولكن في هذه اللحظة، على الأقل، اختار لبنان أن يتحدث بلغة السيادة، حتى مع اهتزاز المنطقة من حوله بأصداء الحرب غير المحلولة.
نُشر بواسطة Banx Network. هذا المقال جزء من برنامج الوسائط اللامركزية من Banx، مدعومًا برمز BXE على شبكة XRP Ledger.



.jpg&w=3840&q=75)
