في اللحظات الأولى من الكون، قبل أن تتنفس النجوم والمجرات أنفاسها الأولى، كان الكون شيئًا يكاد يكون غير قابل للتصور — بحر شاسع، حار جدًا من الجسيمات الأساسية، يتلاطم ويتلألأ مثل أولى حركات الوجود نفسه. لطالما أشار العلماء إلى هذه الحالة العابرة باسم "الحساء البدائي"، وهو استعارة تستحضر مرقًا متقلبًا من الكواركات والغلوونات التي وُجدت لثوانٍ قليلة بعد الانفجار العظيم. حتى وقت قريب، جاء الكثير مما فهمناه عن تلك البلازما القديمة من نماذج نظرية وقياسات غير مباشرة. ولكن الآن، بفضل التجارب في مصادم الهادرونات الكبير (LHC)، يحصل الفيزيائيون على أول نظرة حية على هذه المادة الكونية المبكرة وهي تتصرف بطرق تبدو مشابهة بشكل ملحوظ لسائل متدفق — اكتشاف يجسر بين النظرية والتجربة بطريقة مفاجئة بلطف.
في قلب هذا الاكتشاف توجد مادة استثنائية تُعرف باسم بلازما الكوارك-غلوون — شكل غريب من المادة وُجد عندما كان عمر الكون أقل من جزء من الثانية. في تلك الحقبة، ارتفعت درجات الحرارة إلى تريليونات الدرجات ولم تكن اللبنات الأساسية للمادة مرتبطة بعد بالبروتونات والنيوترونات. بدلاً من ذلك، كانت الكواركات والغلوونات تتحرك بحرية في وسط كثيف للغاية يشبهه الفيزيائيون بسائل مثالي. إعادة إنشاء هذه الحالة البدائية في مختبر ليست مهمة سهلة. في مسرع سيرن الذي يبلغ طوله 17 ميلاً بالقرب من جنيف، سويسرا، يستخدم الباحثون مصادم الهادرونات الكبير لاصطدام نوى ذرية ثقيلة — مثل أيونات الرصاص — بسرعة قريبة من سرعة الضوء. للحظة، تولد الاصطدامات الناتجة ظروفًا شديدة للغاية بحيث يتم تحرير الكواركات والغلوونات من حبسها المعتاد، مكونة قطرات صغيرة من بلازما الكوارك-غلوون التي تعيش لجزء بسيط من الثانية. من خلال دراسة آثار ملايين من هذه الاصطدامات، يمكن للعلماء النظر إلى الوراء في الزمن إلى اللحظات الأولى العابرة للكون.
في الدراسة الجديدة، طور فريق بقيادة فيزيائيين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا طريقة مبتكرة لتتبع سلوك هذه البلازما من خلال مراقبة كيفية تحرك الكواركات الفردية من خلالها. عندما تسرع كوارك عبر سائل، يجب أن تخلق أثرًا — مثل قارب يقطع الماء. باستخدام بيانات من كاشف موون المضغوط في مصادم الهادرونات الكبير، حدد الباحثون آلاف الأحداث التي مرت فيها كوارك عبر محاكاة البلازما البدائية، تاركة وراءها أنماطًا تشبه التموجات. وجدت الفريق أن هذه التموجات تتصرف بطريقة تتماشى مع كون بلازما الكوارك-غلوون تعمل كوسيط سائل موحد.
"لقد كانت هناك مناقشة طويلة في مجالنا حول ما إذا كان ينبغي أن تستجيب البلازما لكوارك"، قال الفيزيائي يين-جي لي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. تظهر القياسات الجديدة أن البلازما كثيفة وكأنها سائلة بما يكفي لإبطاء كوارك وإنتاج رشقات دوامية مميزة — وهي خصائص نموذجية للسوائل بدلاً من مجموعة فضفاضة من الجسيمات الحرة.
تعتبر هذه الملاحظة علامة فارقة في فهم فيزياء الكون المبكر لأنها توفر دليلًا مباشرًا على أن المادة البدائية تصرفت كسائل شبه مثالي — حالة ذات لزوجة منخفضة للغاية، حيث تتحرك الجسيمات بشكل جماعي بدلاً من الاستقلالية. لقد تم الافتراض لفترة طويلة مثل هذا السلوك، ولكن التقاطه بوضوح في البيانات التجريبية يجلب مستوى جديد من اليقين إلى صورة العلماء عن أول ميكروثانية في الكون.
بعيدًا عن إرضاء الفضول العلمي، تفتح النتائج آفاقًا جديدة لدراسة الخصائص الأساسية للمادة تحت ظروف شديدة، مما يُعلم النظريات التي تربط فيزياء الجسيمات بعلم الكون. من خلال تحسين التقنيات لتتبع كيفية استجابة بلازما الكوارك-غلوون للحقن عالية الطاقة، يهدف الباحثون إلى قياس هيكلها الداخلي، وآليات نقل الطاقة، وكيفية تبريدها وتحولها إلى الجسيمات المألوفة التي تشكل الذرات من حولنا اليوم.
بينما وُجدت بلازما الكوارك-غلوون نفسها فقط للحظة قصيرة في طفولة الكون، فإن القدرة على إعادة إنشائها ومراقبة سلوكها في الحاضر تبرز الحساسية الرائعة لتجارب فيزياء الجسيمات الحديثة. إن الدليل على أن هذا "الحساء" الكوني المبكر تدفق كسائل — مكتملًا بالآثار والتموجات — يوفر طبقة جديدة من الفهم حول أول ميكروثانية في الكون، موصلًا بين الفيزياء التجريبية وتاريخ الكون. مع استمرار العلماء في تحسين هذه القياسات، فإن كل اصطدام جسيم يقربنا من صورة أكثر اكتمالًا حول كيفية تطور الكون من بداياته السائلة إلى النسيج المعقد للمادة الذي نراه اليوم.
نُشر بواسطة Banx Network. هذا المقال جزء من برنامج الوسائط اللامركزية من Banx، مدعومًا برمز BXE على شبكة XRP Ledger.




