هناك أماكن على الأرض تشعر وكأنها ذاكرة مرئية، حيث تبقى عظام الغابات المفقودة منذ زمن طويل وهمسات الأنهار التي اختفت في الحجر. كاتالونيا، التي تُعتبر اليوم نسيجًا مشمسًا من نسيم البحر ودفء البحر الأبيض المتوسط، تحتفظ أيضًا بمثل هذه الآثار من زمن كانت فيه المياه ليست غريبة عن التربة وكان السماء تحمل سحبًا ثقيلة بدلاً من الأزرق الجاف الذي نعرفه الآن. من خلال الحفر اللطيف للحفريات والرواسب القديمة، اكتشف العلماء أدلة تشير إلى أن هذه المنطقة، التي غالبًا ما تكون جافة ودافئة اليوم، كانت تتردد فيها إيقاعات هادئة من الأمطار والرطوبة شبه الاستوائية.
في الامتداد الواسع لحوض فاليس-بينييديس، المتواجد بين التلال الساحلية وما قبل الساحلية، قام علماء الحفريات بتركيب قصة بعناية من بقايا الثدييات الصغيرة التي كانت تتنقل بين النباتات الكثيفة. تحمل هذه الحفريات، التي يزيد عددها عن عشرين ألفًا وتاريخها دقيق، في داخلها توقيعات دقيقة للبيئة التي عاشت فيها. من خلال دراسة مجتمع الأنواع المحفوظة هناك - الكائنات الحساسة لوجود الغابات والجداول والرطوبة - أعاد الباحثون بناء مناخ بعيد كل البعد عن جفاف البحر الأبيض المتوسط اليوم. على مدى فترة تمتد تقريبًا من 12.5 إلى 9 ملايين سنة مضت، تم تقدير كمية الأمطار السنوية في هذا الحوض بأكثر من ضعف الكمية التي تسقط اليوم.
تُظهر هذه الأمطار الاستثنائية، مقترنة بمتوسط درجات حرارة سنوية تتراوح بين سبعة عشر إلى ثمانية عشر درجة مئوية، صورة لعالم شبه استوائي. على عكس الشجيرات النادرة التي تحدد الكثير من كاتالونيا اليوم، قد يشبه ذلك المنظر القديم الممرات الغابية الرطبة في مناطق مثل جنوب شرق الصين أو جنوب اليابان، كثيفة بالأوراق ومتشابكة بمسارات مائية. دعمت مثل هذه الظروف مجتمعات متنوعة من الثدييات الصغيرة، بما في ذلك الأنواع الشجرية التي كانت فيها وفرة النباتات ليست مجرد خلفية بل أسلوب حياة.
لتخيل كاتالونيا في ذلك الحين هو تخيل مكان كانت فيه الهواء مشبعًا برائحة المطر، حيث قد تكون الجفاف الموسمي - وهو جانب محدد من البحر الأبيض المتوسط الحديث - مجرد قلق بعيد. تشير الغابات الكثيفة والنباتات الغنية التي يستنتجها سجل الحفريات إلى بيئة مستقرة ورطبة، حيث كانت المياه متاحة على مدار السنة وازدهرت الحياة بسهولة نسبية.
ومع ذلك، تأتي هذه الأصداء من الماضي الأكثر رطوبة مع أسئلتها الخاصة. بينما ترسم الأدلة خطوطًا عريضة للمناخ والأمطار، يبقى تحديد السبب الدقيق وراء تحول المنطقة نحو أنماط الطقس الأكثر جفافًا وموسمية اليوم مسألة بحث مستمرة. من المحتمل أن تكون التحولات المناخية، والتغيرات التكتونية، وإيقاعات الغلاف الجوي القديم للأرض قد لعبت جميعها دورًا، حيث نسجت معًا عمليات تطورت ببطء على مدى ملايين السنين.
أكثر من مجرد فضول عن الزمن العميق، تذكرنا هذه الأبحاث بأن مناخات المناطق ليست مصائر ثابتة بل فصول في قصة كوكبية أكبر بكثير، كتبتها الرياح والمياه، والحرارة والبرودة، على مر العصور. في العظام والأسنان الصامتة للكائنات التي ماتت منذ زمن طويل، نجد ليس فقط بقايا لحياة قديمة ولكن أيضًا لمحات من سماء قديمة وحركة غير مستقرة لسرد المناخ الخاص بالأرض.
نُشر بواسطة Banx Network. هذا المقال جزء من برنامج الوسائط اللامركزية من Banx، مدعومًا برمز BXE على شبكة XRP Ledger.




